التفسير...
يبين الله جل وعلا في الآية الأولى الهدف من إنزال القرآن الكريم , ومهمةَ الرسول صلى الله عليه وسلم , فيقول تعالى : إنا أنزلنا عليك أيها الرسول القرآن من أجل هداية الناس بالحق إلى الطريق المستقيم, فمن اهتدى بنور هذا القرآن وطبق مافيه من أحكام وتوجيهات فإنما ينفع بذلك نفسه لأنه يظفر بسعادة الدارين , ومن انحرف عن الهدى فإنما يضر نفسه لما ينتظره من المصير السيء في الآخرة, وماأنت أيها الرسول عليهم بوكيل فلست مكلفا بتوفيقهم إلى الإيمان , وإنما أنت مبلغ عن الله تعالى .
والله جل وعلا هو الذي يقبض الأنفس بالموت حين يأتي أجلها , وهذه هي الموتة الكبرى, والأنفس التي لم يَكتب عليها الوفاة الكبرى يقبضها في منامها بالنوم , وهذه هي الموتة الصغرى, فإذا قضى عليها الموتة الكبرى أمسكها عنده ولم يعدها إلى جسدها , أما في حال الوفاة الصغرى وذلك بالنوم فإنه تعالى يعيد الأنفس إلى أجسادها إلى أن يحين أجلها المحدد للوفاة الكبرى, وإن في قبض النفسين في حال الموت والنوم , ثم في إعادة النفس إلى الجسم في حال النوم وعدم إعادتها إليه في حال الموت لعلاماتٍ واضحةً لمن تفكر واعتبر , فليتعظ المسلم في مروره بحال الوفاة الصغرى كل يوم وليتزود بما ينفعه بعد الوفاة الكبرى من الإيمان والعمل الصالح .
يقول الله تعالى : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) سورة يونس - آية 10 .
لقد فرق الله تعالى في الآية الكريمة بين أشعة الشمس والقمر , فسمى الأولى ضياء والثانية نورا .
وإذا نحن فكرنا في استشارة قاموس عصري لما وجدنا جوابا شافيا للفرق بين الضوء الذي هو أصل الضياء والنور , ولوجدنا أن تعريف الضوء هو النور الذي تدرك به حاسة البصر المواد .
وإذا بحثنا عن معنى النور لوجدنا أن النور أصله من نار ينور نورا أي أضاء . فأكثر القواميس لا تفرق بين الضوء والنور بل تعتبرهما مرادفين لمعنى واحد .
ولكن الخالق سبحانه وتعالى فرق بينهما فهل يوجد سبب علمي لذلك ؟ دعنا نستعرض بعض الآيات الأخرى التي تذكر أشعة الشمس والقمر .
نجد أن الله سبحانه وتعالى شبه الشمس مرة بالسراج وأخرى بالسراج الوهاج والسراج هو المصباح الذي يضيء إما بالزيت أو بالكهرباء .
أما أشعة القمر فقد أعاد الخالق تسميتها بالنور وإذا نحن تذكرنا في هذا الصدد معلوماتنا في الفيزياء المدرسية لوجدنا أن مصادر الضوء تقسم عادة إلى نوعين : مصادر مباشرة كالشمس والنجوم والمصباح والشمعة وغيرها , ومصادر غير مباشرة كالقمر والكواكب .
والأخيرة هي الأجسام التي تستمد نورها من مصدر آخر مثل الشمس ثم تعكسه علينا .
أما الشمس والمصباح فهما يشتركان في خاصية واحدة وهي أنهما يعتبران مصدرا مباشرا للضوء ولذلك شبه الخالق الشمس بالمصباح الوهاج ولم يشبه القمر في أي من الآيات بمصباح .
كذلك سمى ما تصدره الشمس من أشعة ضوءا أما القمر فلا يشترك معهما في هذه الصفة فالقمر مصدر غير مباشر للضوء فهو يعكس ضوء الشمس إلينا فنراه ونرى أشعته التي سماها العليم الحكيم نورا .
قال تعالى{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} سورة القلم
أي وإنك يا محمد لعلى أدب رفيع جم، وخلق فاضل كريم، فقد جمع الله فيه الفضائل والكمالات ..
يا له من شرف عظيم، لم يدرك شأوه بشر، فربُّ العزة جل وعلا يصف محمداً بهذا الوصف الجليل
{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وقد كان من خلقه صلى الله عليه وسلم العلم والحلم، وشدة الحياء، وكثرة
في هذه الآيات يضرب الله جل وعلا أمثلة لبيان الفرق الشاسع بين الضلالة والهداية, وهذه الأمثلة يدركها الناس بحسهم وخبرتهم , فالأعمى لايستوي مع البصير, والظلمات لاتستوي مع النور, ولايستوي الظل البارد المنعش مع المكان الشديد الحرارة المزعج , ولايستوي الأحياء الذين يتحركون بالحياة مع الأموات الذين هم جثث هامدة , فكذلك المهتدون فإنهم يبصرون الحقائق ويدركون سبيل النجاة والفلاح , وهم يتحركون في نور يغمرهم ويضيء لهم الطريق, ويعيشون في ظل وارف من الطمأنينة واليقين , كما أنهم يإيمانهم يكتسبون حياة القلوب التي تصحح المشاعر وتُقوِّم السلوك .
أما الضالون فإنهم لايبصرون الأمور على حقيقتها ولايرون سبيل النجاة والفلاح وهو أقرب شيء إليهم , وهم يعيشون في ظلمات مطبقة وشك وقلق وحيرة وموت قلبي يحول بينهم وبين النظر السليم والسلوك القويم .
والله وحده هو الذي يهدي من يشاء من هؤلاء الضالين , فيسخِّر قلوبهم ويهيئ أفكارهم لفهم مايسمعون من الهدى والتأثر به , والإيمان بدلائله وبيناته والعمل بتكاليفه وتوجيهاته , أما أنت أيها الرسول فإنك لاتوفِّق من أضل الله , فكما أنك لاتُسمع الأموات في قبورهم فإنك لاتسمع من أمات الكفر قلوبهم , فمهمتك في هذه الحياة ورسالتك التي تحملها هي دلالة الناس على طريق الهلاك وتحذيرهم منه , وعلى طريق النجاة وحثهم على سلوكه , ولاتحزن من كثرة الضالين فإنك إذا قمت بمهمتك في التبشير والإنذار فإنك قد أديت رسالتك على الوجه الأكمل
هذه السورة يبين الله -جل وعلا- فيها لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بعض نعمه عليه، فيقول -جل وعلا-: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وهذا استفهام تقريري؛ لأن الهمزة إذا دخلت على النفي كان استفهاما تقريريا،
ومعنى ذلك: قد شرحنا لك صدرك، فالله -جل وعلا- قد شرح صدر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان والعلم والحكمة.
وقد شُق صدر نبينا -صلى الله عليه وسلم- حسا مرتين، شُق صدره -صلى الله عليه وسلم- لما كان مسترضعا في بني سعد، جاءه ملكان فشقا صدره، وملآه نورا وحكمة،
ثم شُق صدره -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج، وذلك شق حقيقي.
وقوله -جل وعلا-: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني أنه -جل وعلا- شرح نبيه -صلى الله عليه وسلم- للإيمان والعلم والحكمة والهدى، ومن ذلك الشق الحسي الذي كان به قلبه -صلى الله عليه وسلم- مملوءا حكمة وعلما ونورا،
وهذه منة على نبينا -صلى الله عليه وسلم-، كما امتن الله -جل وعلا- بذلك على عموم الخلق،
قال الله -جل وعلا-: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ .
وهذا الشرح -شرح الصدر للإسلام- دليل على أنه الله -جل وعلا- يُريد بعبده خيرا، كما قال
تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ .
ومن انشراح صدره -صلى الله عليه وسلم- أن شرحه ربه -جل وعلا- للدعوة وتحمل حال
الخلق؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- في دعوته تحمل مشاق عظيمة، ولولا أن الله -جل وعلا- شرح صدره للإسلام، وشرح صدره لمثل هذه الأشياء لم يقم بأعباء هذه الرسالة.
ولهذا نبي الله موسى لما أمره ربه -جل وعلا- أن يبلغ إلى فرعون قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ؛ لأن شرح الصدر في مثل هذه الأمور يؤتي ثمارا عظيمة كثيرة، فلهذا كان من شرح الله لصدر
نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن شرحه لمثل هذه الأشياء، فكان -صلى الله عليه وسلم- يُعتدى عليه، ويؤذى، وتُكاد له المكائد، وتُحبل له الحبائل -صلى الله عليه وسلم-، فيقابل ذلك
بالإحسان كما أمره ربه -جل وعلا-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ .
نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، فـ ( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وذلك، كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضًا، إساءة الظن بالمسلم، وبغضه، وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه.
( وَلا تَجَسَّسُوا) أي: لا تفتشوا عن عورات المسلمين، ولا تتبعوها، واتركوا المسلم على حاله، واستعملوا التغافل عن أحواله التي إذا فتشت، ظهر منها ما لا ينبغي.
< 1-802 >
( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) والغيبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه "
ثم ذكر مثلا منفرًا عن الغيبة، فقال: ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) شبه أكل لحمه ميتًا، المكروه للنفوس [غاية الكراهة]، باغتيابه، فكما أنكم تكرهون أكل لحمه، وخصوصًا إذا كان ميتًا، فاقد الروح، فكذلك، [فلتكرهوا] غيبته، وأكل لحمه حيًا.
( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ) والتواب، الذي يأذن بتوبة عبده، فيوفقه لها، ثم يتوب عليه، بقبول توبته، رحيم بعباده، حيث دعاهم إلى ما ينفعهم، وقبل منهم التوبة، وفي هذه الآية، دليل على التحذير الشديد من الغيبة، وأن الغيبة من الكبائر، لأن الله شبهها بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر.
( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ )سورة الحجر
يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاصدع بأمر الله, ولا تخف أحدًا غير الله عز وجل,
فإن الله كافيك مَنْ عاداك كما كفاك المستهزئين, وهم خمسة نفر من رؤساء قريش:
الوليد بن المغيرة المخزومي -وكان رأسهم -والعاص بن وائل السهمي, والأسود بن
عبد المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد دعا عليه فقال: "اللهم أعْمِ بصره واثْكله بولده, والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن
عبد مناف بن زهرة, والحارث بن قيس بن الطُّلاطلة، فأتى جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم,
والمستهزئون يطوفون بالبيت, فقام جبريل وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه,
فمرَّ به الوليد بن المغيرة, فقال جبريل: يا محمد كيف تجد هذا ؟ فقال: بئس عَبْدُ الله, فقال: قد كُفِيْتَه,
وأومأ إلى ساق الوليد, فمر برجل من خزاعة نبَّال يريش نبلا له وعليه بُرْد يمان, وهو يجرُّ إزاره,
فتعلقت شظية من نَبْلٍ بإزاره فمنعه الكبر أن "يطاطئ رأسه" فينـزعها, وجعلت تضرب ساقه,
فخدشته, فمرض منها فمات.
ومرَّ به العاص بن وائل فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله, فأشار جبريل إلى
أخمص رجليه, وقال: قد كفيته, فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنـزه فنـزل شعبًا من تلك الشعاب فوطئ على شبرقةٍ فدخلت منها شوكة في أخمص رجله, فقال: لدغت لدغت, فطلبوا فلم يجدوا شيئا,
وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير, فمات مكانه.
ومرَّ به الأسود بن المطلب, فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ قال عبد سوء, فأشار بيده إلى عينيه, وقال: قد
كفيته, فعمي.
قال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه, فجعل يضرب برأسه الجدار حتى
هلك.
وفي رواية الكلبي: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك, فاستغاث بغلامه, فقال غلامه: لا أرى أحدا يصنع بك شيئًا غير نفسك, حتى مات, وهو يقول قتلني رب محمد.
ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث, فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله على أنه ابن
خالي. فقال: قد كفيته, وأشار إلى بطنه فاستسقى [بطنه] فمات حينًا.
وفي رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السَّمُوم فاسودَّ حتى عاد حبشيًا, فأتى أهله فلم يعرفوه,
وأغلقوا دونه الباب حتى مات, وهو يقول: قتلني رب محمد.
ومرَّ به الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؛ فقال: عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال: قد
كفيته فامتخط قيحًا فقتله.
وقال ابن عباس: إنه أكل حوتًا مالحًا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى انقد بطنه فمات فذلك قوله تعالى: ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) بك وبالقرآن